صديق الحسيني القنوجي البخاري

11

أبجد العلوم

قال : اعلم أن الإنسان لما كان مدنيا بالطبع احتاج إلى تعيشه إلى إعلام ما في ضميره لغيره وإلى الوقوف على ما في ضمير الآخرين ، فاقتضت الحكمة الإلهية والرحمة الأزلية إحداث دوال يخف عليه إيرادها ولا يتبعها أضدادها بل لا يحتاج في تحصيلها إلى آلات غير الآلات الطبعية لئلا يصرف أوقاته فيما يشغل نفسه عن كثير من المهمات الطبعية والشرعية ، فقاده الإلهام الإلهي إلى استعمال الصوت العارض للنفس الضروري للحيوان بالآلات الذاتية الطبعية ، وتقطيعه بتوسط تلك الآلات بأن يفيد تلك الآلات للأصوات كيفيات على أنحاء شتى وطرق مختلفة ، يمتاز بسببها بعضها عن بعض باعتبار مخارجها وصفاتها ، ويسمي تلك الألفاظ حروفا ، ويحصل منها بحسب التركيبات المتنوعة كلمات دالة بحسب الأوضاع المختلفة على المعاني الحاصلة في ضمائر المتكلمين التي تتوقف عليها المعايش وتحصيل المعارف . ثم تركيبات تلك الحروف لما أمكنت على وجوه مختلفة وأنحاء متنوعة مع تنوع مخارج الحروف وأصنافها بحسب تنوع الطباع والعادات من الطوائف في كل ملة بل في كل صقع من الأصقاع ، حصل لهم ألسنة مختلفة ، ولغات متباينة ، بحيث لا تعد كثرة . إلا أن أفضلها وأعلاها ، اللغة التي خصت بها أوسط الأمم وأخصهم وقد نزل عليها أشرف الكتب وأعلاها وأقومها من جهة الأحكام ، وأدومها إلى يوم القيام ، وقد نطق بهذه اللغة أفضل الأنبياء وخاتمهم وأشرفهم وفص خاتمهم ، أعني لغة العرب العرباء التي اختصت بالبلاغة والإعجاز ، وبسحر الكناية والمجاز ، وهل اختص غيرها بفنون لو عدّ أشهرا لبلغت إلى أربعين بل أكثر وهل شرف ما عداها بالتحدي حتى فاق واحد على مئين . وقل لي هل ظهرت العلوم ولو عقلية هكذا منقحة بلغة أخرى ؟ أفليست هذه بالتعظيم والتبجيل أولى وأحرى ، فوجب الاعتناء بشأن هذه اللغة الجليلة المقدار بتمييز كيفيات حروفها بحسب المخارج . ثم أحوال تركيباتها بحسب الاشتقاق . ثم أحوال وضعها للمعاني . ثم تبديل بعض حروفها إلى آخر لتحصل الخفة . ثم كيفية إعراباتها ليسهل الانتقال منها إلى معانيها ثم تطبيقها المقتضي الحال لرفع شأن الكلام ثم إيرادها بعبارات جلية لئلا يعسر فهم المعاني الدقيقة على أذهان